السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
271
مفاتيح الأصول
بوجودها في الفرع من غير مانع من ظهورها وباستلزام حكم الأصل لحكم الفرع عقلا امتنع نسخ حكم الفرع مع بقاء الأصل ولكن ذلك قد يتفق أحيانا وليس بلازم كأصل القياس بالطريق الأولى وإلا لكان هو أحد أفراد تنقيح المناط وهو باطل لا يقال هذا خرق للإجماع المركب في المسألة وذلك لأن القوم فيها بين مانع من نسخ الفرع مع بقاء الأصل مطلقا ومجوز له ولم يذهب أحد إلى التفضيل الذي ذكرته فيكون خرقا للإجماع المركب وإحداث قول ثالث لأنا نقول لا نسلم تحقق الإجماع المركب في المسألة لأن من تكلم فيها طائفة من الأصولين ولم نجد أن جميع الأصوليين تكلموا فيها ولم يبلغ إلينا أقوال جميعهم فيها وانحصارها في القولين المذكورين غاية ما في الباب عدم ظهور قول ثالث وهو غايته الظن وهو على تقدير حجيته لا يعارض الدليل القطعي على التفصيل الذي ذكرناه ومع ذلك فالتمسّك بالإجماع بسيطا كان أو مركَّبا في أمثال هذه المسائل لا يخلو عن مجازفة لكون المسألة عقلية فتأمل على أنه قد يدعى انصراف إطلاق كلام الفريقين إلى الغالب وهو القياس بالطريق الأولى الَّذي لا يحصل فيه العلم بعلة الحكم فيكون صورة حصول العلم بها خارجة عن مورد كلامهم فلا يكون ما ذكرناه من التفصيل قولا ثالثا في المسألة كما لا يخفى وثانيها ما تمسّك به في التهذيب كما عن أبي الحسين من أن ذلك لو كان جائزا للزم نقض الغرض من حكم الأصل إذ الغرض من قوله تعالى ولا تقل لهما أف إعظام الوالدين فرفع تحريم ضربهما ينافي ذلك وفيه نظر أما أولا فلأنه إن أريد حصول العلم بالغرض فهو ممنوع ولكن الظن يجوز العدول عنه لما هو أقوى منه فتأمل وأما ثانيا فلأن المستفاد من قوله تعالى ولا تقل لهما أف إعظام الوالدين في جميع الأوقات بجميع الوجوه كما لو صرّح بذلك وكما يجوز ارتكاب التخصيص ببعض الأوقات ببعض الوجوه كذلك يجوز النسخ كذلك فتأمل وفي الإحكام معترضا على الحجة المذكورة غاية ما يلزم من نسخ حكم الفرع إبطال الغرض من إثبات الحكم فيه فلا يخفى أن غرض إثبات التحريم للتّأفيف جائز لغرض تخصيصه بالذكر تنبيها بالأدنى على الأعلى ولا يلزم من إبطال أحد الغرضين إبطال الآخر وأورد عليه في النهاية فقال بعد الإشارة إليه وفيه نظر فإن نسخ الفحوى يستلزم إبطال الأصل لأن الفحوى هو الغاية فإبطالها يستلزم إبطال ذي الغاية انتهى وثالثها ما ذكره في الذريعة فقال وقد علمنا أنه لا يحسن أن يقال لا تقل لهما أف واضربهما ولكن يحسن أن يقول لا تضربهما وإن قلت لهما أف فيجوز نسخ الأكبر وتبقية الأصغر ولا يجوز عكسه وفي العدة من الناس من منع وقال لا يجوز أن يقال فلان لا يظلم مثقال ذرّة وهو يظلم القناطير وفلان لا يأكل مثقالا ثم يقول هو أكل مائة رطل فدخول النسخ في ذلك لا يصحّ انتهى وللآخرين ما حكاه في المختصر وشرحه عنهم فقالوا إفادة اللفظ للأصل والفحوى دلالتان متغايرتان فجاز رفع كل واحد منها بدون الآخر ضرورة وفي النهاية وفي المنية جوزه القاضي عبد الجبار تارة لأن ذلك يجري مجرى التنصيص على تحريمه وتحريم الضرب فكأنه قال لا تقل لهما أف ولا تضربهما ولا يلزم عن رفع أحد التحريمين رفع الآخر وفي العدّة فإن قيل هل يجوز أن ينسخ ما يقتضيه فحوى الخطاب مع ثبوت صريحه كان ينسخ ضرب الوالدين ويبقى تحريم قوله لا تقل لهما أف قيل لا يمتنع لأنهما في الحكم بمنزلة ما يتناوله العموم من المستثنيات ينسخ بعض ذلك مع بقاء البعض ويفارق القياس لأن نسخه مع بقاء أصله لا يصح لأن بصحة الأصل يصح الفرع فما دام ثابتا فيجب صحته فكذلك لا يجوز بقاء القياس مع نسخ أصله لما ذكرناه من العلة وفي الذريعة وغير ممتنع أن يقال أن الحال فيما بينا بخلاف المصالح لأنه يمنع إن لم يمنع من التأفيف في الشاهد إلا لأجل الترغيب والتنزيه من الإضرار به فلا يجوز أن يجامع ذلك إرادة ذلك الإضرار الأكثر ومصالح الدين غير ممتنع أن يختص تارة بالأكثر والأخرى بالأصغر والأولى جواز نسخ كل واحد مع تبعية صاحبه انتهى وأجاب في شرح المختصر عما نقل عنهم فقال الجواب لا نسلم دلالة التغاير على رفع كل واحد منهما دون الأخرى وإنما يصح ذلك إذا لم يكن أحد الغيرين مستلزما للآخر انتهى الثالثة أن ينسخ الأصل من دون نسخ الفرع والفحوى وقد اختلفوا في جواز هذا على قولين أحدهما أنه لا يجوز وهو للتهذيب وحكاه في النهاية والإحكام عن الأكثر فقالا وأطبق الأكثر على أن نسخ الأصل يفيد نسخ الفحوى الثاني أنه يجوز وهو للذريعة والمختصر وشرحه للأولين ما تمسّك به في التهذيب وأشار إليه في النهاية والإحكام من أن الفحوى ثابتة لأصله فإذا ارتفع الأصل ارتفع الفحوى لاستحالة بقاء التابع بعد متبوعه ويعضد ذلك أمور منها أنه إذا نسخ الأمر بالشيء لزم منه نسخ النهي عن ضده العام وكذا الخاص على القول باستلزامه النهي عنه وليس ذلك إلا لاستحالة بقاء التابع بدون متبوعه ومنها أنّه إذا نسخ أصول المفاهيم المخالفة ويجوز فيها بحملها على ما لا يقتضي المفهوم امتنع بقاء المفهوم وليس ذلك إلا لاستحالة بقاء التابع بدون متبوعه وأجاب في الإحكام والمختصر وشرحه عن هذه الحجة فقالا بعد الإشارة إليها أن دلالة اللفظ على الفحوى تابعة لدلالته على الأصل وليس حكمها تابعة لحكمه فإذا فهمنا تحريم الضرب وحصل فهمنا تحريم التأفيف لأن الضرب إنما كان حراما لأن التأفيف كان حراما والذي يرتفع هو تحريم التأفيف لا دلالة اللفظ عليه فإنها باقية والمتبوع لم يرتفع والمرتفع ليس بمتبوع ولكن قال في الإحكام قبل هذا الكلام التحقيق إثبات تحريم الضرب في محلّ السكوت إما أن يقال أنه ثابت بالقياس إلى تحريم التأفيف في محلّ النطق وأنه ثابت بدلالة اللَّفظ لغة على اختلاف المذاهب فيه فإن كان الأول فيجب أن يقال